منتديات منابر السنة تبرأ إلى الله من كل إعلان مخل بالآداب الإسلامية ونعلمكم أنه لا علاقة لنا بها
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تمام المنة في ترجمة إمام أهل السنة: الشافعي (رحمه الله)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سفيان أبو أنس



avatar

ذكر عدد الرسائل : 261
تاريخ التسجيل : 02/09/2008

مُساهمةموضوع: تمام المنة في ترجمة إمام أهل السنة: الشافعي (رحمه الله)   13.09.08 16:52

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذه ترجمة مباركة لإمام أهل السنة الشافعي رحمه الله تعالى, أحببت أن أتحفكم بها, لتقر أعينكم, وتطيب أنفسكم, ونقتدي بهذا الفحل العلم, البحر الزاخر, رحمه الله تعالى وجميع المسلمين.


بشارة النبي صلى الله عليه و سلم به: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علي و ابن عباس: "اللهم اهدِ قريشاً فإنَّ العالِم منهم يسع طباق الأرض في آخرين"، رواه أحمد و الترمذي وقال حسن.


اسمه ونسبه وتاريخ ميلاده: هو محمد بن إدريس الشافعي، وُلِدَ بالاتفاق عام 150 هجرية أي في العام الذي توفي فيه أبو حنيفة وقد غالى البعض فقال في اليوم نفسه الذي مات فيه أبو حنيفة. والصحيح الذي ذهب إليه الجمهور أنه ولِدَ في غزة في فلسطين، والده قرشي ويلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف جده صلى الله عليه وسلم. أما أمه فمن قبيلة أخرى، من قبيلة الأسد وهي قبيلة عربية أصيلة و لكنها ليست قرشية. ولِدَ الشافعي في أسرة فقيرة جداً، وبعد ولادته بعامين توفي أبوه فقررت أمه العودة بابنها محمد إلى مكة لأنه قرشي حتى لا يضيع نسبه ولأن له سهم من ذوي القربى.

ولكن الأم كانت قوية الشخصية راسخة الإيمان، على جانب من العلم والحفظ، فأرادت لولدها أن يتعلم و يحفظ فدفعت به إلى مكان في مكة يقرىء الصبيان. ولكن الأم لم تجد أجر المعلم، فكان الشيخ المقرىء يهمل ويقصِّر في تعليم الصبي المتعطِّش إلى العلم والمعرفة ولكن كان المعلم إذا علَّم صبياً شيئاً، تلقَّف الشافعي ذلك الكلام ثم إذا قام المعلم من مكانه ليقضي شأنه أخذ محمد مكانه وراح يعلم الصبيان تلك الأشياء. و رآه المعلم يفعل ذلك، فارتاحت نفسه و نظر إلى أنَّ الشافعي يكفيه من أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي يطمع بها منه فترك طلب الأجرة واستمرت هذه الحال مع الشافعي حتى حفظ القرآن وهو دون العاشرة من عمره ومنهم من قال و هو ابن سبع سنين.

تحصيله وطلبه للعلم: كانت أمه قد وجَّهته لأتقان القراءة والتلاوة والتفسير على شيوخ المسجد الحرام ولم يكد يبلغ الثالثة عشرة من عمره حتى أتقن ذلك إتقاناً جيداً ملفتاً للنظر. ثم اتجه الشافعي إلى علم الحديث فلزم حلقة سفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجي في المسجد الحرام. وكان الورق غالي الثمن باهظ التكاليف والشافعي وأمه في قلة وفقر فكيف يفعل في التدوين؟ يُروى أنه كان يلتقط العظام العريضة فيكتب عليها أو يذهب إلى الديوان فيجمع الأوراق المهملة التي يلقى بها فيستوهبها ويكتب على ظهرها. هذه المعاناة وفقته إلى أن يعتمد على الحفظ فتكوَّنت لديه حافظة قوية ساعدته مستقبلاً على حفظ كل ما يسمع وما يُلقى إليه من علم ومعرفة.

وكان الشافعي يوماً يحضر مجلس ابن عيينة فحدَّث ابن عيينة بحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً، فأتته صفية، فلما ذهبت ترجع مشى النبي صلى الله عليه وسلم معها فأبصره رجل من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها صفية، إنَّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ". فقال ابن عيينة: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله ؟ فقال الشافعي: لو كان القوم اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا بتهمتهم إيّاه كفاراً و لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدَّب مَن بعده فقال إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يُظَنَّ بكم، لا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أمين الله في وحيه - يُتَّهم. فقال ابن عيينة: جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلا ما نحبه. ولا عجب في ذلك فقد كان يعمل و يهتدي وفق توجيهات أمّه البارّة التي كانت عالمة، حافظة وفقيهة. فقد استُدعِيَت مرة للشهادة أمام قاضي مكة و معها امرأة أخرى وأراد القاضي أن يفرِّق بينها وبين المرأة الأخرى في الشهادة ليسمع كلاّ منهما على حدة، فاعترضت وطلبت إلى القاضي أن تكون شهادتها وشهادة المرأة الأخرى بحضور كليهما واستدلَّت على ذلك بقوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282].

وأدرك الشافعي ما عند مالك من علم واسع وأحب لقاءه ولكنه تهيَّبَ أن يرحل إليه قبل أن يأخذ من علومه شيئاً، فأقبل على الموطأ فحفظه غيباً ولم يكن يملك ثمنه فاستعاره وحفظه. وخشيَ أن لا يستقبله الإمام مالك لحداثة سنِّه فلقد اشتُهِرَ عن مالك أنه رغم سماحته و طيب خُلُقه كان صارماً في العمل ولا يبيح وقته للناس ولا يستقبل من يطرق بابه خلال راحته في داره. ولكن الشافعي الشاب المتوقد المتوهج المتعطش إلى غَرف العلم لا يشبع نهمه الجلوس في حلقات درس مالك في المسجد ولكنه يريد أن يتفرَّد بلقائه. فتوسطت له أمّه عند والي مكة،فأرسل معه رسالة إلى والي المدينة. فلما وصلت الرسالة إلى والي المدينة وقرأها قال: يا فتى إنَّ مشيي من جوف مكة إلى جوف المدينة حافياً راحلاً أهوَن عليّ من المشي إلى باب مالك، فلستُ أرى الذل حتى أقف على بابه !.

فقال الشافعي: أصلح الله الأمير، إن رأى الأمير يوجه إليه ليحضر. فقال الأمير: هيهات، ليت أني لو ركبت ُ أنا ومن معي وأصابنا من تراب العتيق (حي يسكنه مالك) نلنا بعض حاجتنا. وواعده على الذهاب إلى مالك في وقت العصر. ويروي الشافعي فيقول: وركبنا جميعاً، فوالله لكان كما قال، لقد أصابنا من تراب العتيق فتقدم رجل منا فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاكِ أني بالباب. فدخلت ثم خرجت فقالت: إنَّ مولاي يقرئكَ السلام و يقول إن كان لديك مسألة فارفقها في رقعة يخرج إليك الجواب و إن كان للحديث فقد عرفتَ يوم المجلس فانصرِف. فقال لها الأمير: قولي له إنَّ معي كتاب والي مكة إليه في حاجة.

فدخلت وخرجت وإذا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار وهو شيخ طويل مسنون اللحية، فرفع الوالي الكتاب إلى الإمام مالك فطفق يقرأه فلما بلغ إلى هذا: " إنَّ هذا رجل يهمني أمره وحاله فتحدثه ...وتفعل ... وتصنع ... ". فرمى مالك الكتاب من يده ثم قال: سبحان الله أوَ صار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخّذ بالرسائل ؟!!! قال الشافعي: فرأيتُ الوالي قد تهيَّب أن يكلِّمه فتقدمتُ وقلت: " أصلحك الله ... إني رجل مطلبيّ من بني المطَّلِب وحدَّثتُه عن حالتي و قضيتي فلما سمع كلامي نظر إليَ و كان لمالك فراسة فقال: ما اسمك ؟ قلت: محمد، فقال: " يا محمد إنه سيكون لك شأن وأي شأن، إنَّ الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية. إذا جاء الغد تجيء مصطحباً معك ما تقرأ به ". وطلب منه أن يأتي بمن يقرأ له الموطأ لصغر سنه ولكن الشافعي جاءه في اليوم الثاني ومعه الموطأ وبدأ يقرأ عن ظهر غيب والكتاب في يده. وكلما قرأ قليلاً تهيَّب مالكاً وأراد أن يقطع ولكن أعجب مالك حُسن قراءته وإعرابه فقال: زد يا فتى، حتى قرأ عليه الموطأ في أيام يسيرة. قال مالك عنه: ما يأتيني قرشي أفهممن هذا الغلام، وقال: إن يك يفلح فهذا الغلام.

إقامته في العراق: وبقي الشافعي في العراق فتعرَّف على محمد بن الحسن ووطَّد صلته به وعاد وتفرغ للعلم وترك الدنيا والعمل فيها.

يقول الشافعي: " أخذتُ من محمد بن الحسن وقر بعير (أي حمل بعير) من سماعه عن أبي حنيفة، أي لو جمعتُ العلم الذي أخذته منه في كتب فإن هذه الكتب تبلغ حمل بعير وكل ما فيها ليس فيه شيء من عندي ،كله أخذته سماعاً من محمد بن الحسن ". انظروا إلى تواضع الشافعي الذي ما حال بينه و بين هذه الكلمة المكانة العالية التي تبوَّأها قد تقدَّم ربما على محمد بن الحسن وهو المجتهد المطلق ما قال في نفسه ماذا سيقول عني الناس لو سمعوا أني تلميذ محمد بن الحسن. و هذا من باب ذكر فضل أهل الفضل. وقد ملأ الشافعي كتابه " الرسالة " مناقشات طريفة جداً بينه و بين محمد بن الحسن الشيباني مُلئت علماً. وكان محمد بن الحسن يقدره تقديراً عظيماً ولا يؤثر على مجلسه مع الإمام الشافعي أي مجلس. وقد حصل أن اتفق يوماً أنَّ الإمام الشافعي كان ذات مرة متجهاً إلى بيت محمد ابن الحسن ليتدارس معه العلم وليأخذ منه ولكن محمد بن الحسن كان متجهاً إلى الموعد الذي كان قد ارتبط به مع الخليفة، فآثر مجلس الشافعي وتخلَّف عن مجلس الخليفة.

بقي الشافعي في مكة تسع سنوات يجمع هذه القواعد ويدونها و ينسجها وقبل ذهابه إلى مكة كان قد زار مسجد الإمام الأعظم أبي حنيفة وهناك صلى الفجر على مذهب الإمام (أي أبو حنيفة) مخالفاً مذهبه في الحركات والقنوت وما إلى ذلك، ولما سُئِلَ عن ذلك قال: إني فعلته أدباً مع الإمام أبي حنيفة أن أخالفه في حضرته. انظروا إلى أدب علمائنا بعضهم مع بعض.

أسفاره وزيارته مصر: لقد طاف الشافعي في آفاق العالم الإسلامي، ولم يترك بقعة إلا زارها من الحجاز حتى أقصى الشرق والشمال ولكنه لم يأتِ مصر بعد. ومصر مهد عريق في الحضارة والعلم وهي في الوقت عينه مجتمع علماء فحول وفضلاً عن ذلك هي مدرسة إمامه وشيخه الليث بن سعد. وبينما إمامنا العظيم في تطلعه هذا إذ جاءته دعوة كريمة لزيارة مصر فوافقت هوى قلبه ونفسه وكانت الدعوة من أحد تلامذته ومُحبّيه، الفقيه العالم، والتاجر الواسع الثراء " ابن عبد الحكم ". فشد الشافعي رحاله على الفور وكان وداع الناس والعلماء خاصة له في بغداد مؤثراً جداً. كانوا يبكون ويحاولون إقناعه بالبقاء خصوصاً الإمام أحمد.

وامتدت إقامة الشافعي في مصر خمس سنوات حيث استُقبِلَ استقبالاً حافلاً من مختلف الطبقات إذ سبقه صيته إلى هناك وحاول الكثيرون أن يستفيدوا من ضيافتهم له فعرضوا عليه الإقامة عندهم من الوالي حتى أقل الناس شأناً و لكن الشافعي آثر التشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة المنورة فنزل عند أقارب أمه.

وكان أول ما فعله الشافعي أن قام بزيارة قبر الإمام الليث بن سعد ووقف عند القبر خاشعاً يردد و يقول: لله درُّكَ يا إمام ... لقد حزتَ أربع خصال لم يكملن لعالِم: العلم والعمل والزهد و الكرم.

تدريسه و تأليفه لكتابه " الأم " : كان الشافعي جامعة علم في شتى الفنون، فكان يجلس في جامع تاج الجوامع في مصر بعد صلاة الفجر ويبدأ بالقرآن وعلومه فيأتيه علماء التفسير وعلوم القرآن الفطاحل ليتعلموا منه، فإذا انتهى تحوَّل إلى الحديث فيأتيه علماء الحديث ليتعلموا منه وإذا فرغ انتقل إلى علوم اللغة وآدابها فيأتيه علماؤها يدرسون عنه و هكذا .

وفي مصر أعاد الشافعي النظر في " الرسالة " فجدد تأليفها - و" الرسالة " التي بين أيدي الناس اليوم هي "الرسالة" المؤلفة في مصر - كما أعاد النظر في كتابه " الحجة " فألَّف بدله كتاب " الأم " وهو مجموع لكتب كثيرة جديدة ألَّفها الشافعي في مصر وهذا الكتاب هو المعروف والمشهور في أيامنا. وتراجع الشافعي عن بعض مسائله الفرعية في العراق وأفتى بغيرها من هنا إذا قيل اليوم في المذهب الشافعي القديم فإنما يراد به أقواله في العراق المجموعة في كتابه " الحجة " وإذا قيل مذهب الشافعي الجديد فيراد به أقواله في مصر المجموعة في كتابه " الأم ". وابتكر الشافعي كتباً - كما يقول الإمام النووي - لم يسبق إليها، منها: أصول الفقه وكتاب " القسامة " وكتاب " الجزية " وكتاب " أهل البغي " وغيرها.

أدب الشافعي مع مخالفي مذهبه وعدم تعصبه: الشافعي رضي الله عنه إن وجد نفسه يخالف في بعض آرائه الإمام مالك، لم يكن يعرِّض لذلك ولم يكن يناقشه ولم يكن يتحدث حتى لا يضع نفسه من أستاذه موضع المناقِش أو الرّاد على رأيه ولكن في الوقت نفسه يخالف بأدب. إلى أن بلغه أنَّ في المغرب أناساً وصل بهم التقديس الأعمى للإمام مالك. فصاغ الشافعي هنا في هذا الوقت المتأخر من حياته " خلاف مالك " أي " خلافياتي مع مالك " وقال إنَّ الإمام مالك بَشَر يصيب ويخطِأ وهو أي الشافعي بشر يصيب ويخطأ وبدأ يناقش مسائل يرى خلافاً فيها مع مالك. وفي كثير من الأحيان ذهب كثير من الأئمة العظام ضحية عصبية تلامذتهم وهذا في التاريخ كثير. قد يكون الإمام عظيماً لكن له تلامذة يتعصبون ويتشنَّجون.

من هنا كان الشافعي ينادي مراراً وتكراراً: إذا صح الحديث فهو مذهبي يعني إن صح حديثٌ لم أكن قد سمعتُ به و أفتيتُ بخلافه ووصل إليكم و فقهتم المعنى فإنَّ هذا هو مذهبي. إذاً هذا القول ليس موجهاً إلى عامة الناس وإنما هو موَّجه إلى فقهاء مذهبه وتلامذته وأصحابه. يعني مثلاً قد يأتي من يعترض وبالفعل فقد أتى في هذا الزمن كثير من اعترض على الشافعي، يقول مثلاً إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: " من لحم جزور فليتوضأ "، والشافعي يقول إذا صح الحديث فهو مذهبي. نقول ليس مطلق حديث وقع عليه إنسان يستطيع أن يطبق عليه مقولة الشافعي إذ ينبغي أولاً أن يكون من أهل النظر والاجتهاد، ثانياً أن يرى هل اطَّلع على هذا الحديث الشافعي أو أصحابه أو فقهاء المذهب من بعد وكيف فسروه؟ ولقد رد الشافعية على هذا الحديث فقالوا هذه واقعة حال والواقعة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع بعض أصحابه وقد أكلوا لحم جزور وخرجت رائحة كريهة من أحد الحاضرين ثم حان وقت الصلاة و من البديهي أنَّ الذي سيذهب للوضوء سيُعلَم حاله، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الأديب الرفيع الذوق قال رفعاً للحرج عن هذا الصحابي: من أكل لحم جزور فليتوضأ. هذه واقعة حال و وقائع الأحوال لا تصلح للاستدلال. ثم لو صح أنَّ لحم الجزور ينقض الوضوء، فمن المعلوم أنَّ أهل مكة والمدينة لا يأكلون في ذلك الوقت من اللحوم إلا لحم الإبل ولو صح أنه ينقض الوضوء لعُلِمَ ذلك وشاع ولكن لم يُنقَل إلا عن هذا الصحابي وفي هذه الحالة.

منهج الشافعي العلمي: أخذ الشافعي بالمصالح المرسلة والاستصلاح و لكن لم يسمها بهذا الاسم وأدخلها ضمن القياس وشرحه شرحاً موسعاً. وكذلك كان الشافعي يأخذ بالعرف مثل مالك ولكن كل لدرجة ما.

يروى إنه في أحد الأيام ، في مجلس مالك ، كان فيه الشافعي، جاء رجل يستفتي مالكاً، يقول أنه ابتاع طائراً من رجل أقسم البائع بالله تعالى وفي رواية بالطلاق أنَّ طائره هذا لا يفتأ عن التغريد. فلما أخذه الشاري وجده يغرد حيناً و يسكت حيناً، فسأل مالكاً فقال له: لك حق خيار العيب (أي أنه لك الحق في رده بسبب عيب فيه) وقد حنث في يمينه أو على الرواية الأخرى وقع الطلاق. وكان الشافعي جالساً في ذلك المجلس ولكنه لم يتكلم أدباً مع شيخه مالك. فلما ذهب الرجل لحق به وسأله: طائرك يغرد في اليوم أكثر أو يسكت أكثر؟ قال الرجل: بل التغريد أكثر، فقال له الشافعي: إذاً البيع صحيح و ليس لك خيار العيب ولم يحنث وفي تلك الرواية لم يقع الطلاق. فجاء الرجل إلى مالك ، فلما ناقشه الشافعي قال له: يا سيدي، الألفاظ التي ننطق بها إنما نضعها في ميزان العرف الشرعي إن وُجِد (مثل الطلاق و العتق ... )، لكن إن فُقِدَ العرف الشرعي عندئذ نشرحه بالعرف اللغوي الدارج بين الناس فإن فُقِدَ العرف اللغوي الدارج بين الناس نعود إلى اللغة العربية في جذورها وأمهاتها. ونحن نعود في هذا إلى كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد روينا عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أنَّ امرأة جاءت تستشيره في رجلين قد خطباها فأيهما تتزوج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أما فلان فلا يضع العصا عن عاتقه و أما فلان فصعلوك (أي لا يليق بك من حيث المستوى الإجتماعي وغيره). قال الشافعي: فقوله صلى الله عليه وسلم لا يضع العصا عن عاتقه كناية عن كثرة السفر وقد علمت أنه يصلي فيضع العصا عن عاتقه و يأكل ويضعها عن عاتقه وينام ويغتسل وفي كل ذلك يضع العصا عن عاتقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم صادق فيما يقول، إذاً هذه الكلمة سارت مسار العرف الدارج وهنا (أي في مسألة الطائر) عرف في السوق لو قال البائع هذا الطائر لا يفتأ عن التغريد يعني أنَّ أكثر أوقاته التغريد.

من عباداته ونوافله: كان يقسم ليله إلى ثلاثة أجزاء: ثلث ينام و ثلث يكتب وثلث يصلي. وكان يختم القرآن في كل شهر ثلاثين مرة وفي رمضان ستين ختمة. ومن نوافل الشافعي كثرة صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم وكان يحضُّ على ذلك أصحابه وتلاميذه ومن يحضره. وكان أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام لا يدخل على مكة حتى يتصدَّق بما معه.

مرضه ووفاته: كان الشافعي من الأئمة العاملين فرابط فترة في مصر في الثغور وهي المواضع التي يُخشى هجوم العدو منها على بلد مسلم. وفي آخر حياته ظهرت عليه علة البواسير و كان يظن أنَّ هذه العلة إنما نشأت بسبب استعماله اللُّبان - وكان يستعمله للحفظ - وبسبب هذه العلة ما انقطع عنه النزيف وربما ركب فسال الدم من عقبيه. وكان لا يبرح الطست تحته وفيه لبدة محشوة، وما لقي أحد من السقم ما لقي.

والعجيب في الأمر بل يكاد يكون معجزاً أن تكون هذه حال الشافعي و يترك في مدة أربعة سنوات كلها سقم من اجتهاده الجديد ما يملأ آلاف الورق مع مواصلة الدروس والأبحاث والمناظرات والمطالعات في الليل والنهار، وكأنَّ هذا الدأب والنشاط في العلم هو دواؤه الوحيد الشافي !. وألحَّ على الشافعي المرض وأذابه السقم ووقف الموت ببابه ينتظر انتهاء الأجل. وفي هذه الحال، عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، دخل عليه تلميذه المزني فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحتُ من الدنيا راحلاً وللإخوان مفارقاً و لكأس المنيَّة شارباً وعلى الله جلَّ ذكره وارداً ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنِّئها أو إلى النار فأعزِّيها ! ثم بكى وأنشأ يقول:

ولما قسى قلبي و ضاقت مذاهـبــي جعلتُ الرَّجــا مني لعفوك سلَّـمـا

تعاظـني ذنـبـي فـلمـا قـرنـتـه بعفوك ربي كـان عفوك أعظمــا

وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تـزل تجود وتعـفـو مِـنَّـةً وتكرُّمـــا

ودُفِنَ الشافعي رحمة الله تعالى عليه في القاهرة في أول شعبان، يوم الجمعة سنة 204 هجري. مات وكان له ولدان ذكران وبنت وكان قد تزوج من امرأة واحدة.

من وصاياه و أقواله:

- ما تُقُرِّب إلى الله عز وجل بعد أداء الفرائض بأفضل من طلب العلم.

- طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.

- من ضُحِكَ منه في مسألة لم ينسها أبداً.

- من حضر مجلس العلم بلا محبرة و ورق كان كمن حضر الطاحون بغير قمح.

- ما ناظرتُ أحداً قط إلا أحببتُ أن يوفَّق أو يسدد أو يُعان ويكون له رعاية من الله تعالى و حفظ، وما ناظرتُ أحداً إلا و لم أُبالِ بيَّنَ الله تعالى الحق على لساني أو لسانه.

نحن كلما رأينا سيرة إمام قلنا والله هذا أحق بالاتِّباع وكلما سمعنا دليله قلنا والله هذا لهو الدليل المقنع! نعم كلهم أحق بالاتِّباع وكلهم عندهم أدلَّتهم المُقنِعة فلذلك ورحمة من الله تعالى بنا جاز لنا أن نتبع من شئنا منهم و الحمد لله رب العالمين.

_________________


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://minbar.ahlamontada.net
 
تمام المنة في ترجمة إمام أهل السنة: الشافعي (رحمه الله)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الصفحة الرئيسية :: 
منبر الشريعة والفقه
 :: الصحابة والسلف الصالح
-
انتقل الى: